شرعنة الإبادة: قانون إعدام الأسرى وتحول القانون إلى أداة للقتل
شرعنة الإبادة: قانون إعدام الأسرى وتحول القانون إلى أداة للقتل
بقلم : وفاء بهاني
لم يعد الحديث عن إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد طرح سياسي قابل للنقاش، بل بات إعلانًا صريحًا عن تحوّل خطير في طبيعة هذا الصراع؛ تحوّلٍ يُنذر بأن القتل لم يعد نتيجةً للحرب، بل أصبح سياسة تُصاغ وتُشرّع وتُقدَّم للعالم تحت غطاء قانوني. لم تعد السجون أماكن احتجاز، بل تُدفع تدريجيًا لتكون فضاءات انتظارٍ للموت.
إن ما يُعرف بـ"قانون إعدام الأسرى" لا يمكن قراءته كإجراء قانوني منفصل، بل هو تعبير مكثّف عن انتقال ممنهج من سياسات السيطرة إلى سياسات التصفية المباشرة. وهذا الانتقال لا يعكس فقط تصعيدًا في الأدوات، بل يكشف عن تحوّل في العقل السياسي الذي لم يعد يرى في الأسير إنسانًا خاضعًا للقانون، بل هدفًا مشروعًا للإلغاء. وفي هذا المعنى، فإننا لا نقف أمام تشريع عابر، بل أمام نموذج متكامل لما يمكن وصفه بـ"القتل المُقنّن"، الذي يلامس بوضوح تعريفات الجرائم ضد الإنسانية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن البيئة السياسية التي أنتجته، حيث يبدو أن الكيان الصهيوني يسعى إلى إعادة هندسة موازين التفاوض عبر إغلاق ملفات حساسة، وفي مقدمتها ملف الأسرى، بما يقطع الطريق أمام أي استحقاقات مستقبلية، كصفقات التبادل. وفي الوقت ذاته، يُستخدم هذا القانون كأداة داخلية لإنتاج مكاسب سياسية سريعة، حتى لو كان الثمن هو تقويض ما تبقى من منظومة قانونية دولية يُفترض أنها وُجدت لحماية الإنسان لا لتبرير تصفيته.
من الناحية القانونية، يضع هذا التوجه العالم أمام اختبار حقيقي. فاتفاقيات جنيف لم تكن نصوصًا نظرية، بل جاءت لضبط الحد الأدنى من إنسانية الحروب. وتجاوزها اليوم لا يمثل مجرد خرق قانوني، بل يفتح الباب أمام سابقة خطيرة قد تعيد تعريف مصير الأسرى في النزاعات المسلحة حول العالم: من أشخاص محميين بالقانون، إلى ضحايا محتملين لتشريعات القوة.
أما على الصعيد الميداني، فإن هذا التصعيد لا يأتي في فراغ، بل يتقاطع مع واقع إنساني مأزوم، خاصة في قطاع غزة، حيث تتراكم الأزمات بين حصار خانق، وتعثر اتفاقات التهدئة، وقيود مستمرة على إدخال المساعدات. وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو قانون كهذا إلا كحلقة إضافية في سلسلة تضييق الخناق، ليس فقط على الجغرافيا، بل على الإنسان ذاته، في حياته وكرامته ومصيره.
وفي المقابل، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا بقي من دور المجتمع الدولي؟ فالاكتفاء بلغة التنديد لم يعد كافيًا أمام تشريعات تمس جوهر الحق في الحياة. إن استمرار هذا العجز لا يعني الحياد، بل يقترب من منح غطاء غير مباشر لتحولات خطيرة تعيد تشكيل مفهوم العدالة وفق ميزان القوة لا ميزان الحق.
ورغم قتامة المشهد، لا تزال هناك مساحة لا يمكن الاستهانة بها: مساحة الفعل الشعبي والحقوقي. فهذه المساحة، وإن بدت محدودة، تبقى أحد الخطوط القليلة القادرة على كسر الصمت، وإعادة القضية إلى إطارها الإنساني والقانوني، بعيدًا عن محاولات اختزالها في حسابات سياسية ضيقة. إن استمرار هذا الصوت هو ما يمنع تحويل الجريمة إلى أمر واقع مقبول.
وفي المحصلة، فإن التعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يبقى في إطار ردود الأفعال المتأخرة، بل يتطلب مقاربة شاملة تُدرك أن ما يجري ليس مجرد تشريع جديد، بل لحظة مفصلية يُعاد فيها تعريف معنى العدالة وحدود الإنسانية. فإما أن يبقى القانون أداة لحماية الحياة… أو يتحول، كما يحدث اليوم، إلى غطاء يمنح القتل شرعية، ويمنح العالم مبررًا إضافيًا لصمته
تصدير المحتوى ك PDF